العلامة الحلي

27

الباب الحادي عشر ( مع شرحيه النافع يوم الحشر للسيوري ومفتاح الباب للحسينى )

[ انّا فاعلون بالاختيار ] قال : الثّاني ، إنّا فاعلون بالاختيار ، والضّرورة قاضية بذلك ، للفرق الضّرورىّ بين سقوط الإنسان من سطح ، ونزوله منه على الدّرج ، ولامتناع تكليفنا بشيء فلا عصيان ، ولقبح أن يخلق الفعل فينا ، ثمّ يعذّبنا عليه ، وللسّمع . أقول : ذهب أبو الحسن الأشعري ومن تابعه إلى أن الأفعال كلّها واقعة بقدرة اللّه تعالى ، وانه لا فعل للعبد أصلا . وقال بعض الاشعريّة ان ذات الفعل من اللّه ، والعبد له الكسب ، وفسّروا الكسب بأنه كون الفعل طاعة أو معصية . وقال بعضهم معناه انّ العبد إذا صمّم العزم على الشّيء ، خلق اللّه تعالى الفعل عقيبه . وقالت المعتزلة والزيديّة والإماميّة ، ان الافعال الصّادرة من العبد وصفاتها ، والكسب الّذي ذكروه كلّها واقعة بقدرة العبد واختياره ، وانه ليس بمجبور على فعله ، بل له ان يفعل وله ان لا يفعل وهو الحقّ لوجوه : الأوّل ، انا نجد تفرقة ضرورة بين صدور الفعل منّا تابعا للقصد والدّاعى كالنّزول من السّطح على الدّرج ، وبين صدور الفعل لا كذلك ، كالسّقوط منه إمّا مع القاهر أو مع الغفلة ، فانا نقدر على التّرك في الأوّل دون الثّاني ، ولو كانت الأفعال ليست منا لكانت على وتيرة واحدة من غير فرق ، لكنّ الفرق حاصل ، فيكون منّا ، وهو المطلوب . الثّاني ، لو لم يكن العبد موجدا لأفعاله ، لامتنع تكليفه وإلّا لزم التّكليف بما لا يطاق . وانما قلنا ذلك لأنه حينئذ غير قادر على ما كلّف به ، فلو كلّف كان تكليفا بما لا يطاق وهو باطل بالإجماع . وإذا لم يكن مكلّفا لم يكن عاصيا بالمخالفة ، لكنّه عاص بالإجماع . الثّالث ، انّه لو لم يكن العبد قادرا موجدا لفعله لكان اللّه أظلم الظّالمين . وبيان ذلك أن الفعل القبيح إذا كان صادرا منه تعالى ، استحالت معاقبة العبد عليه ، لأنه لم يفعله ، لكنّه تعالى يعاقبه اتّفاقا ، فيكون ظالما ، تعالى اللّه عنه . الرّابع ، الكتاب العزيز الّذي هو فرقان بين الحقّ والباطل مشحون بإضافة الفعل إلى العبد ، وانه واقع بمشيّته كقوله تعالى : « فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ » ، « إِنْ يَتَّبِعُونَ